طوني مفرج
31
موسوعة قرى ومدن لبنان
لم يسبق له مثيل ، فغدت ليس فقط بوّابة لبنان الحضاريّة ، بل بوّابة الشرق الأوسط برمّته . وغدت تجارتها في هذه الحقبة من أوسع تجارات حوض البحر الأبيض المتوسّط . وقد بهرت محاسن بيروت العاهل الألمانيّ غليوم عند مروره فيها ، فلقّبها بالدرّة اللّامعة في تاج عثمان ، وقال فيها بعض الرحّالة الأجانب : " إنّها من المدن الخالدة التي لا تموت " . على أن بيروت قد عانت وتألّمت كثيرا بما أصابها من سهام الحرب الكونية الأولى بدءا من العام 1914 ، ومآسيها التي أذلّت أبناء الجبل كما أبناءها ، وأوصدت في وجوههم أبواب البرّ والبحر ، فكانت أسواقها معرضا لجثث ضحايا الجوع والوباء ، ونصبت فيها أعواد المشانق لشهداء الوطن ، وهدمت جملة من مبانيها وأسواقها ، وتوقفت حركة التجارة فيها . وزحف الجراد على مزروعات البلاد فاتلفها ، وارتفعت أثمان المأكولات وأخذ الجوع يفتك بالفقراء . وختمت ويلات تلك الحرب في أيلول سنة 1918 بزلزال خفيف هزّ المدينة والبلاد . ثم جاءها صنّين بحلّة من ثلجه الناصع ، فاكتسته المدينة ، إيذانا بحلول الفرج . بيروت عاصمة لبنان في أوّل أيلول سنة 1920 أعلن الجنرال غورو المفوض السامي في لبنان وسوريا ، باسم دولته فرنسا والحلفاء ، استقلال لبنان الكبير ، تحت الإنتداب الفرنسي ، وسمّيت بيروت عاصمة له ، فعادت إلى المرتبة التي كانت لها في عهد فخر الدين ، وأصبحت بدوائرها واشغالها محور الحركة اللبنانيّة . وبعد انتهاء الإنتداب واستقلال لبنان ، ثبّتت بيروت عاصمة أبديّة للدولة اللبنانيّة . ومنذ ذلك التاريخ ، راحت بيروت تستقطب لبنان ، وقد غدا النزوح إليها طريقا لا بدّ لكلّ طالب علم وعمل وتحقيق طموح من أن يسلكه ، في ظلّ